المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2020

فِي الشِتَاء

صورة
عندما ينتهي الخريف الذي أحب، أعيش أيامي في انتظار الربيع، إذ أنني لست من الاشخاص الذين يسعدون كثيراً في الشتاء. ولكنني رغم ذلك لا استطيع تجاهل أنً في الشتاء أشياءٌ جميلة كالمشروبات الدافئة، مساحات القراءة، مواقد النار و...النوستالجيا. مثل هذه الايام تعيد بي الذاكرة الى مواقد النار القديمة. مواقد لا تختلف بشيءٍ عن مواقدنا الآن، إلّا أنّها كانت تنشر دفئاً اكبر. مثل هذه الايام تعيدني الى صوت جدتي رحمها الله تروي لنا الحكاية عن جحا و اهل حلبون الذي يسكنون وراء الجبل و القطة "حمورة" على ضوء شمعةٍ خافت مع اكواب شاي ساخنة و "عروسة" لبنة لا يزال طعمها عالقاً في افواهنا حتى الآن. الى الايام التي كنا نستريح فيها من الكهرباء قليلاً، لنتبادل احاديث السمر، و الأيام التي لم نكن قد تحولنا فيها الى هواتف ذكية. مثل هذه الأيام تعيدني الى حارتنا القديمة... حارة العجائز و جارتنا الصبية و قطتها اللطيفة، و الصغيرة الوحيدة في الحارة التي تركتني باكراً وأمها الروسية التي تحيك كثيراً، ليعودوا الى موطن الأم. كل المعالم تغيرت الآن، تزوجت الصبية و رحلت و رحل...

اللّهم ثَبَات

صورة
في الثانية عشرة من العمر كنت أقف ووالدي على سطح منزلنا نراقب الغروب يغلف قريتنا الجميلة، لم نكن نتكلم الكثير و لا اذكر تحديداً مالذي كنت افكر فيه حينها، ولكنني أذكر انني اخبرت والدي أنني سعيدة جداً بكوني في الثانية عشر وأنني الآن لازلت طفلة إلاّ انني استطيع ان افعل ما اريد. و فعل ما اريد في ذلك الوقت كان يعني ذهابي في النزهات البرية مع صديقتي او إعداد صحن من "الكوكتيل" دون رقابة احد من الكبار. ولكن الامر عنى لي جداً ، و عندما افكر بالأمر الآن اعتقد انه كان بداية لمسي لكينونتي الخاصة و إدراكي لنفسي في هذا العالم وما يحيط بي. كان اول الخطوات في رحلة العثور على " من أنا!!" السؤال الذي طرحته لأول مرّة على دفتر مذكراتي عندما كنت في الرابعة عشر دون أن ادوّن تحته أيّ جواب. في الخامسة عشر كنت أقرأ الكثير من الكتب، أشاهد الكثير من الأفلام واستمع للكثير من الألحان. كان لدي نهم للمعرفة و طاقة كبيرة تدفعني نحو الاستكشاف، و إن كان ذلك يتطلب مني القيام بأمور خاطئة و أشياء لا يجدر بي القيام بها. لكنني كنت افعلها بأية حال رغم مع...

من آيَتِهِ سُبحَانَه

صورة
(١) النساء لا يكبرن تضل الفتاة الصغيرة داخلهن حيّةً أبداً مهما كبرن او اشتددن. و كلما اشتد الحنان في قلب الرجل تعاظم قدره في قلب أنثاه. فهي عندها ستجد فيه عاطفة الأب و رعاية الأم، و سيوقظ فيها مرح الطفولة، و غنج الصغيرة. و إذا ما اكتملت عاطفة الأنثى حسُنَ معشرها، و ازداد تقديرها. و هي إذا ما استشعرت عطف رجلها مالت إليه بكلّ اعوجاجها حتى إذا ما تيقنت من صلابته استندت إليه حتى استقامت. (٢) بداية العلاقات غالباً ما تكون متطرفة... يصاب المرء بتطرف في المشاعر ،و تطرف في الأحلام، و تطرف بتنزيه المحبوب. إذ أن المشاعر تكون متّقدة بشكلٍ مغيّبٍ للعقل، فيهيم المرء بوجدانه حتى إذا ما وقع الخلاف الأول شعر بكسر في قلبه و خيبة. و لكن العاقل هو من يدرك حاله، و يدرك أن لتطرفه حدّ يجب أن يوضع. و أن العلاقة الكاملة لا تكتمل دون خلاف و اصطدام. للوجدان سلطة على الروح لا يكتمل التفاهم الروحي دونه و لكن اختلاف الفكر و الطبع يحتاج الى رزانة العقل. فإذا ما استطاع الطرفين تحقيق التفاهم الروحي وجب عليهما البدء في العقل حتى يحققا علاقة سليمة متكاملة. والعقل دون الروح خواء و الروح د...

طُوبَى للغُربَاء

صورة
عندما اختار الله نبيه إبراهيم ليكون من أولي العزم، كان أول ما تلقاه في دعوته أن كُتب عليه الخروج من بلده و الهجرة الى الأرض "التي باركها الله للعالمين" كما ورد في القرآن، و قد أمر النمرود بإخراجه بعد أن  خرج إبراهيم بسلامٍ من النّار التي أوقدها عليه قومه،  فرأى أنه لا مجال لمحاربته إلّا في نفيه. ثمّ عادت الحكاية تتكرر عندما كُتبت الهجرة على خير البريّة و أصحابه محمد صلى الله عليه و سلم بعد أن حاربتهم قريش و ضيقت عليهم و طالهم منها الأذى. و كلّ ذلك كان في بدايات الدعوة لله ، عندما كان الإسلام غريباً، و بمثابة تهديد للطواغيت التي أبت سوى ان تستكبر و تتعالى على الله عزّ وجل. وها نحن الآن نشهد تكرر الحكاية إذ أنه ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ " و ما أشبهنا بهذا الحديث!! حربٌ ضروس على الإسلام و المسلمين تستعر في كل بقاع الأرض، لم تتخلف عنها أمّةٌ من الأمم في الشرق و الغرب، تطالعنا مصائبنا كل يوم بين غريق في الشرق و حريق في الغرب و مهاجرين من شتّى بقاع الأرض... و إرهاب ...

فَخْ

من منا لا يعرف من هو بيتر بان وقصته مع نيفرلاند والأطفال الضالين..في صغري كنت أحب بيتر بان جداً، إلّا انني لم اكن أحب أبداً رغبته في البقاء طفلاً ولم اكن افهمها. اما الآن بعد ان كبرت توضح لي كل شيء وبتّ افهم ما كان يعنيه بيتر عندما كان يقول"لا تكبري ابدا انه فخ". من المضحك كيف اننا في صغرنا نرغب في ان نكبر بشدة، ان نجلس على طاولة الكبار، نقود السيارة ونتحدث كل تلك الاحاديث الغير مفهومة، ولكننا ما إن نكبر حتى نرغب في ان نعود صغاراً من جديد. ربما ليس جميعنا... ولكني شخصياً اتمنى لو انني استطيع ان اعود طفلة، حيث كل شيء ممكن ولا شيء مستحيل وحيث كنت استطيع ان أعيش وابتكر كل ما اريد. لم يكن الامر يتطلب الكثير على ايّة حال... لم اكن بحاجة الى أيّ نقود او معدات او ايّ علاقات حتى احصل على ما اريده او احقق ما احلم به. كل ما كنت بحاجة اليه هو القليل من الخيال وبعض الخرضاوات التي كانت تتحول بقدرة سحر الطفولة الي معدات ملكيّة او حربيّة او حتى الى شخصيات وحيوانات. في طفولتي كل الناس كانت جميلة، كلهم بدوا سعداء وطيبين. لم اكن...

في غَبطَةِ حُلُم

صورة
"في غبطة حلمٍ ورديٍّ جميل وجدت نفسي فجأة، حيث تطفو البلاوين الملونة ويوجد الكثير من السُحب الوردية والازهار الليلكية، يتوسط يدي خاتمٌ جميل وجدته في اول درب الحلم، الاّ انّ اليد التي وجَدَته لا تبدو ذات اليد التي ترتديه... ما بالها كبرت فجأة! وفي تلك اللحظة استقيظت على الواقع، لم أعد طفلة! كان ذلك الاستنتاج اول خطواتي نحو الرحلة الجديدة. لم يعد الحلم حلماً بل بات واقعاً، وكما كل شيءٍ ثمين صاحبه الثمن. ايامٌ قليلة تفصلني حتى تبلغ رحلتي العام. عامٌ مرّ ليس كأي عام، تغيرت به بمعيار خمس سنواتٍ سابقة، نضجت كثيراً، وبت أكثر ملامسةً للمسؤولية، وكسبت الحب والشخص المناسب بشكلٍ افضل حتى من المعايير التي كنت اطمح لها. بعد عام استطيع اخيراً ان اعلق. الخطوبة ليست مجرد مرحلة تعارف بين شخصين، بل هي حتى اعادة استكشاف الشخص لذاته، من خلال شخصٍ آخر وتجارب جديدة مختلفة. من خلال هذه الرؤية الجديدة للنفس والشريك تكونت لي نظرة بناء مختلفة للحياة وتطلعات مستقبلية جديدة. قد يجهل الداخلين في هذه المرحلة انها فترة انتقال كبيرة، لانها تبدأ كالسحر وتستمر كفصولٍ عر...

سُبُل السَلَام

صورة
كل من يعرفني، وحظيت بعشرته في السنوات السابقة يدرك جيدا انني شخصٌ ايجابي وأنّ سمة المرح هي اكثر ما يطغى عليّ في جلساتي. كان البعض يُشبِّهني بالألوان الوردية الهادئة، وكانت صديقتي تقول بأنني اكثر الذين تعرفهم مصالحةً مع ذاته. الاّ انّ خطباً ما أصابني جعلني بعيدة عن تلك الفتاة، وكأنها شخص اخر عالقٌ في حقبة اخرى، وكأنها طيف شخص كنت اعرفه. رغم انه لم يسبق لي ان كنت اتمتع بهذا القدر من النعم، و رغم ان احجية ايامي قد ركبت بالضبط كما كنت ارغب ورغم سقوط كل الاشياء في اماكنها الصحيحة، الاّ انني اعجز عن العيش وسط الاشياء بسعادتها، و أعجز عن تقدير النعم. على عكس تلك الفتاة التي كنت تسكنني والتي كانت تصنع من زهرة صغيرة عابرة بهجة اسبوع. فالفتاة الجديدة تعجز عن تخطي كلمة صغيرة قد لا يلقي لها احدٌ بالاً سواها، وتدعها تتغلغل في قلبها خالقةً سوداويّة مقيتة تحجب عنها سعادة النعم. للاسف هذا ما كنت عليه في الشهر الاخير. رغم كل النعم، رغم سير حياتي بسلاسة وبشكل جيد، و رغم محيطي المحب والداعم ابداً. والمشكلة اني كنت عاجزة عن التحكم بهذه العلّة التي اصابتني فجاة ودون مبرر او...

نَسائمُ أيلول

صورة
عادت نسائم ايلول ترخي علينا نفحات من سلام بعد حرارة صيفٍ طويل، لم نر فيه البيت الاّ قليلا ولم نأنس فيه الى انفسنا لكثرة ما خالطنا فيه من عابرين. عاد ايلول ليفتح صفحات دفاتر قديمة اهملت في الصيف لتحل مكانها مذكرات المهام والمواقيت. وفتح قلم الحبر الاسود من جديد بعدما استبدل باقلامٍ بممحاة مخصصة للمهام، لا تكتب بها مشاعرٌ، ولا تُخطُّ بها احلام، فمثل هذه لا تتغير ان خرجت، ولا تُبدلُ كلماتها او تُمحى مضامينها بل تبقى لتشهد امّا عن تجربة مرت او حلم قادمٍ يشق الطريق هويدة. ما زالت الاحلام كما كانت لم تتبدل بتبدل الايام، او تبدل المهارات، هي هي. الاّ أن الطريق بات يبدو اكثر وعورة والتقدم بات يحتاج معدات ربما ليست بمتناولي حتى الآن. احاول ان اذكر نفسي دائماً انني يجب ان اتشبث مهما حصل ومهما كثرت الحفر، ان الفرص متوفرة الاّ ان الوقت لم يحن بعد. ما زلت احلم بأن اصبح كاتبة، وما زالت الكتب تستهويني. الاّ اني بت اقرأ اقل واكتب أقل، واحاول قدر الامكان ان اعود الى قصصي القديمة. وما زلت احبّ اختصاصي الجامعي الاّ اني بت اخاف من المستقبل اكثر واحاول قدر الامكان ان اس...

عَجَلة

صورة
هنالك محطات، نفقد فيها الطريق، نجهل اي قطارٍ نركب، أيّ وجهة نقصد واين محطتنا التالية. نضيع حقائبنا وما تحويه من اهدافٍ واحلامٍ جمعناها عبر السنين، بين "تكت" لا نستطيع دفعها، مقاعد الايام ،تخبط الراكبين و بوصلة لا نستطيع العثور عليها. ينتهي بنا الأمر على دراجة وجدناها عند مفترق الطرق، دراجة بطيئة مرهقة، قاسية الدوسات وتتشقلب عند كلّ منعطف. الطريق امامها يبدو طويلاً جداً والحلم كذلك، ولكن باستطاعتنا ان نرى الطبيعة افضل، المنعطفات افضل، والطريق كذلك، والحلم رغم بعده...بات يبدو اجمل. ربما الدراجة ليست بذلك السوء في النهاية، ربما الطريق يستحق وربما تكون المنقذ لنا، من اصطدام قطار!! -نور الهدى

لَيتَ قَومي يَفقَهُون

صورة
عزيزتي عدن، كنت اقول لنفسي ولك في ما مضى اننا نحن من يحدد الاشخاص الذين نريدهم من حولنا. كان ذلك عندما كنت فتاةً في الثانوية تضحك من اعماق قلبها وتمضي اليوم برفقة اصدقائها المقربين جداً لتعود مساءً وتحادثك. حسناً، اختلف الأمر الآن فقد كبرنا ولم نعد في الثانوية. لم نعد نستطيع ان نحدد من يجلس بجانبنا دائما، لم نعد نملك الوقت الكافي، ولم نعد نتحدث كل مساء واكتشفت انني كنت مخطئة، نحن لا نستطيع دائما ان نحدد الاشخاص الذين يجالسوننا!! سأوضح لك اكثر، في مراكز العمل على سبيل المثال يقضي الناس معظم ساعات يومهم مع اشخاصٍ قد لا يحبذونهم واعتقد انك قد بدأت تعيشين الامر في تجاربك التطوعية كما أعيشه انا في عدّة ايامٍ من الشهر. ورغم انك قد لا تحبذين الجميع الّا أنه عليك الإنخراط، و إحترامهم وتبادل الحديث معهم جميعاً. سيكون البعض حادي الطبع، و سيتعارض فكرك مع الكثير منهم وقد يمتلك آخرون صفات قد لا تتحملينها ولكن كل ذلك جيد لانك ستتعلمين. لذا اليك الدرس الاول الذي تعلمته لهذا الاسبوع، ليس الجميع لطفاء كما كنا نعتقد في صغرنا، وليسوا قساةً بالاختيار ايضاً. البعض يستخ...

استَوصُوا بالنِسَاءِ خَيراً

صورة
في فترة دراستي للعلوم الشرعية مرّ معي في ما تضمنته السيرة أن السيدة عائشة رضي الله عنها كان لها جارية تخدمها في حجرتها، وقد استوقفني هذا الامر عندها طويلاً، خصوصاً عندما استذكرت قصة اخرى تناولت طلب السيدة فاطمة لجارية تساعدها. إذ انهن كنّ يسكنّ في حجرٍةٍ صغيرة اذا ما قارانها في بيوتنا اليوم فإنها ليست سوى جزء صغير وإذ انّ كليهما كانتا في عمرٍ صغير مما يعني انهما كانتا ذوات قوة. الذي استوقفني وجعلني استغرب الامر يومها هو انني معتادة على وجود امرأة في كل منزل من منازلنا تسمى " بست البيت". تقوم يومياً بتنظيف الكثير من (الحجر) الا جانب الطبخ والتدريس واحياناً العمل خارجاً، ومع هذا تنفذ الامر وكأنه واجب عليها و تقصيرها عيب يدل على عدم صلاحها، وبالتالي عدم رضى زوجها. والجدير بالذكر انني اكتشفت لاحقاً ان جمهور الشافعية و الحنابلة و المالكية قد اتفقوا على عدم وجوب ان تقوم الزوجة بالقيام بخدمات المنزل. لذا فإنني اكتب الآن من باب فشة الخلق لبؤس ما اراه في مجتمعنا في البيوت عامة وفي بيوت الملتزمين خاصة وأخص بذلك المتلزمين لأنه من المفترض انهم اعلم الناس بحق زوجا...

شَقائِقُ الرِجَال

صورة
في ظل المس الذي اصاب الرجولة في الايام المعاصرة، يكاد المرء لا يستوعب تلك الاخلاق والتصرفات التي كان الصحابة يتحلون بها، و يبهر اكثر بمعاملاتهم لنسائهن وتفرغهم لهن رغم كثرة مشاغلهم وانغماسهم في الدعوة والبناء والجهاد. في حين اننا في العصر الحالي يهمل احدهم زوجته بحجة تعبه في ساعات عمله المعدودة في احد المكاتب المكيفة والمرتبة. وفي الجهة الاخرى فاننا قد بتنا نمر بكم هائل من المقالات التي تطال نساء عصرنا وما وصلن اليه من (الاسترجال)، الا أنّ عددا قليلاً جداً يطال السبب الذي أدى الى هذه النتيجة. انه ومن الواضح انه ومع بداية هذا القرن قد طال الرجولة الكثير من التشوه، بدءاً بحياة جدودنا ومجتمعاتهم الذكورية التي القت باثقالها على حاضرنا، عندما كان الرجل يكتفي بالجلوس والتسلط، في حين تقوم المرأة -اشبه بالدابة- بأعمال المنزل والتربية والزراعة والتجارة. ثمّ لاحقاً الى المجتمعات الصناعية عند دخولها في مجال العمل الصناعي، وبدأ حركات الثورات النسوية التحررية والتي لا أجدها مجحفة، كما يرى البعض فعندما تضع المرأة في مجال عملك، وتساويها بك في التعب بل اكثر عليك ان تتحمل تبعيات ذلك. ...

سُبُلُ حُب

صورة
ربما حان الوقت لاكتب عن التفاصيل الصغيرة... عن الليالي التي لم ننم فيها خوفاً من ان يأكل الوقت عناق قلوبنا. عن اكواب الشاي والقهوة نرتشفها واحدة بعد الاخرى في صباحٍ لم ننم في ليله سوى الساعة وأرغفة الخبز نتلقاها من اناسٍ طيبين مررنا بهم في قريةٍ بقاعية صبيحة يومٍ صيفيٍّ حار. عن صلاة قيام الليل وسط الضباب نهدئ بها انفسنا من قصصٍ وآلام مرت ولكن ندوبها بقيت على جسد الوطن وفي القلوب عميقة لم تجبر، إنما سكنها الإيمان وعطف الله. عن المياه الباردة تلمع تحت نجوم السماء، والأغطية الخفيفة نجرها على اكتافنا ليلاً تدفئ اجسادنا كما يدفئ الأنس قلوبنا. عن امسية شعرية في وسط النهار وانامل مبتدئة تعبث باوترة العود بطريقة جميلة، عن نظارات مستديرة، المزيد من اكواب الشاي والقهوة، سورة ياسين تتلى علينا كي ننام وورقة علقت على الباب تحت بند "ما تفيقونا" عن كل الرسائل الجميلة، الهداية اللطيفة، الزيارات والمبيتات ومجموعة باتت اشبه بعائلة... اشبه بوطنٍ مصغر جمع أطرافه من مختلف مناطق الوطن. عن طفلٍ ولد في الشهر السادس من السنة اخذ مكانه في القلب قبل ان يولد وبات ...

فَمَن أَنت؟

صورة
عامٌ لعام.. تطوى فيه صفحاتُ الايام، وتذبلُ وتزهرُ كوردةٍ تتعاقب عليها الفصول.. عامٌ لعام..نشهد فيه تبدلنا، وتغير مواسمنا... فتارة ربيع، وتارة خريف، وتارة شتاء.. و بين المواسم نعيش تقلباتنا بين حلمٍ يزهر وذاكرةٍ تبث أوراقها و غيث او عاصفةِ سراب.. نعيشها حتى تصبح نحن..حتى تجدنا ونجد انفسنا فيها.. وفي الحقيقة نحن لسنا سوى مجموعة اشياء.. اشياء نقرأها، كلمات نبوحها، رسائل نرسلها او تبقى مخبأة في ادراجنا، و أوراق نخط عليها ارواحنا... او مجموعة اشخاص.. ارواحٍ، قد نمتزج في احداها حتى لنظن انها نحن واننا هي، ونتشابك مع اخرى حتى نأخذ بعضاً منها وتأخذ بعضاً منا.. او امتزاج فرقة تلقي كل واحدة منها لونها، فنغدو طيفاً جميلاً، او غروباً صيفيا ، او سماءاً قطبيّة.. بالنسبة لي، انا كل ذلك.. انا كل ذلك واكثر.. انا ارض حدودية صلبة دافئة، وتربة بعبق دماء ثائرة.. انا بستان أزهار نمى وسط مدينة سوداء قاتمة.. وقصيدة عربية قديمة حفظت في درج مكتبة منسية في زاوية هادئة.. انا ضحكة احداهن، سكينة اخرى وحلم كان منتظر.. نصف دين، نصف روح..وربما خيبة او أمنية بلا اثر.. ...

إنتِمَاء

صورة
قد يحدثُ أن تجلس بين مجموعة كبيرة من الأشخاص، مجموعة كبيرة من الاشخاص الذين تحبهم و يحبونك وتشعر بأنك غريب... انك لا تنتمي. قد يحدث ذلك مع مجموعة واحدة وقد يحدث مع كل مجموعة تجالسها حتى تبدأ بالشعور بأنك غريب، او بأن خطباً ما اصابك. العلاقات حقيقة هي شيءٌ غريب. حاجتنا الدائمة للشعور بأننا ننتمي، حاجتنا للعثور على اشخاص يفهموننا، او حتى حاجتنا للوجود ضمن مجموعة من الناس و إن لم يتوفر فيهم العنصرين الاولين. نحن جميعاً نعاني بطريقةٍ ما من العلاقات في حياتنا، وجميعنا يصعب علينا فهم غرابتها. كنت اظن انني الوحيدة التي اعاني من ذلك حتى حدثتني بالامر إحدى صديقاتي التي تربطني بها العلاقة الأغرب. علاقة تمتد منذ ١٠ سنوات رغم اقتصارها على السوشال ميديا، ورغم انني لم أرها طوال هذه المدّة، وقد لا أفعل في المستقبل القريب. اتسائل كثيراً كيف استمرينا، كيف استطعنا ان نوطد هذه العلاقة من خلف شاشةٍ وحسب، كيف استطعنا ان نجاري النضوج، وان نحافظ على رباط يمر عنوةً بين الحدود والحواجز والاحتلال. ثم افكر في علاقتي بصديقتي في المرحلتين المتوسطة والثانوية، شخصٌ تربطني به ذكريات...

حَنِينْ

صورة
لم يعد المنزل يمتلئ بأفراد العائلة عند نهاية كل اسبوع، فقد المحور الذي كان يوجب الاجتماعات الاسبوعية. لم اعد اسمع صوت المذياع القديم كل صباح يبث اصوات اذاعاتٍ يتعذر عليّ ايجادها عبر اي مذياع آخر، ولم تعد اصوات صديقاتي تُسمع عندما يعبرن الدار. الدار... ذلك المحيط الذي كان مليئاً بالقطط دائماً وبعكازٍ وكرسيٍّ يستريحان تحت شجرة التوت الكبيرة منذ الصباح وحتى المساء، ذلك المحيط الذي كان اول محطةٍ لنا في صباحات العيد، بات الآن فارغاً جداً ولا يمثل سوى ممر. تغييّر الكثير، حتّى الزهر تغيّير فأنا لا اذكر متى كانت آخر مرّة رأيت فيها زهرة "دحنون"، او حتى صحن "كبة بطاطا" و متى كانت آخر مرة صُغر فيها لقبٌ من حج الى "حجحوج"! ولا ادري كيف سيكون شكل مناسباتنا القادمة دون ان تزينها حطةٌ بيضاء وعقالٌ اسود لا يخرجان سوى عندما يجد صاحبهما أنّ في الأمر حدثٌ قيم. تغيّر الكثير منذ رحل جدي... اشياء صغيرة لن تتكرر، تفاصيل لم ندرك قيمتها حتى اخذها الرحيل.. مشاعر كثيرة لم نكن نشعر بعمقها، دعواتٌ كثيرة ودموع حبٍّ لم نظن اننا امتلكناها حتى لفظها الرحيل...

مجرد عابرين

صورة
٠ ضيوف، لسنا سوى ضيوف على هذه الارض. مجرد عابرين في رحلةٍ معدودة الايام، مجرد متعلمين يخضعون لامتحانات ستشهد ذات يوم على انفسهم وينسجون سجلات بما قدمت ايديهم. لكننا ننسى ذلك في اغلب الأوقات، ننسى ان هذه الارض ليست حقاً موطناً لنا، ان ما عليها فان، واننا نحن سنفنى كذلك. وللأسف لا نتذكر ذلك حتى نفقد احدهم في حدث مفاجئ. نتناسى حقيقة حياتنا ونمضي ضاربين بالأرض ومتاعها، حتى يذكرنا الله بالطريقة الصعبة. اعمارنا قصيرة، وطرقنا مجهولة النهاية، لا احد منا يعلم متى يغادر، ولا من يغادرنا. لذلك اعتقد انه يجب علينا ان نبدأ بإعادة حساباتنا مع الايام. ان كان لديك حلم، اسعى اليه بكل طاقتك، ان كانت حياتك لا تعجبك، لا تنتظر الغد إبدا بالتغير منذ هذه اللحظة...غير من نفسك أولاً اجعل من نفسك شخصاً  ترضى به، انفسنا أمانة سنسأل عنها يوماً ما، لذا اجعل من نفسك شخصا تحبه. اترك المعاصي، لا تدري متى ترحل، لا تدري ان كنت ستحصل على فرصة اخرى لتتوب. ثمّ ان الحياة اتفه من ان نضيعها في معصية،  الحياة اتفه من ان نضيعها بعيدا ...

الافضل بحق

صورة
الفصل الماضي كان الاصعب على الاطلاق منذ بدأت الجامعة. شهرين متتالين من المستندات الطويلة، الروايات التي لا تنتهي والقواعد اللغوية المعقدة التي ادت الى تعقيدي معنوياً في نهاية المطاف. ولولا تلك الرحلات القصيرة التي كنت اقطعها في السيارة برفقة من احب كنوع من التخفيف عن الضغط النفسي لانتهى بي الامر باكتئابٍ شديد مزمن. في كل يوم وبعد ان انهي ما عليّ من اوراق نشق الطريق الى المكان الذي بات ذو مساحة في قلبي... نحو الحدود. وتحديداً الحدود اللبنانية الفلسطينية. الحدود التي لم نقطعها يوماً، حتى بات مجرد النظر الى ما ورائها يبدو حلماً. حتى باتت رغبة تخطيها اكبر من اي شيءٍ اخر. هناك كنت اشحن نفسي، اشحن غضبي، اشحن حبي واشحن الاصرار على الاستمرار واعطاء المزيد. منظر المستوطنات، المساكن والشوارع المنظمة كان يبعث للفوضى رغم ترتيبها. واذا ما لمحت احد المستوطنين ازداد قلبي انقباضاً وحسرة. هؤلاء، ورغم انهم لصوص، رغم انهم مجرمين يعيشون بحرية مطلقة، يجوبون شوارع ليست لهم، ويسكنون بيوتاً ربما تكون قد بنيت بأموالنا، ونحن في سهو وغفلة. ذلك الامان الذي استشعرته لديهم، زادني سخطاً و زادني اصراراً...

ما تعلمته هذا الاسبوع

صورة
العزيزة عدن، الصديقة القريبة ابداً رغم الحدود والمسافات واختلاف الايام والاحوال. اعلم ان هذا ليس بيوم الخميس وان هذه ليست برسالة نصية ولكني لم استطع ان انتظر. ما تعلمته هذا الاسبوع لا يحتمل البقاء ضمن رزنامة مشاعر اسبوعية، لذا فانني استأذنك (دون ان افعل ذلك حقا) بأن اخالف القاعدة لهذا الاسبوع. ما تعلمته هذا الاسبوع هو ولغرابة الايام النسخة المطورة عن ما تعلمته في الاسبوع نفسه منذ عامين سابقين، لذا سأقول ان اول ما قد تعلمته هو ان ما نتعلمه ليس بالنتيجة النهائية ابداً، ستتطوره لنا الايام دائما وتحيله الى نظريات جديدة. تماما كما طورت مفهومي نحو السعادة والتي ورغم اني كنت ارى انها تكمن في الاشياء الصغيرة، كنت قد حصرتها بمجالٍ ضيق جداً وجعلتها محدودة في اشياء معينة وكأن السعادة لم تخلق الا في اشكالها. الاّ انني وصلت اليوم الى نتيجة ان السعادة امر نسبي، تكمن في امورٍ مختلفة ومتغيرة ليست بالضرورة من نفس الفئة، قد تكون فنجان قهوة تحتسينه عند الغروب، زيارة الى بلدٍ آخر ،او  شخص بامكانه ان يعيدك الى تلك المرحلة عندما كان كل شيء في العالم جميلاً وبريئاً قبل ان تصاب بالوعي، و صدمات الن...

اكتفاء

صورة
في مقابلة لايزابيت جيلبرت كاتبة كتاب (eat pray love) مع اوبرا وينفري، قالت ان الوصول للاكتفاء يكمن في معرفتك لما تريده الآن والحصول عليه مهما كلّف الامر، وتابعت "اسال نفسك كل يوم عن ما تريده فعلاً واترك كل شيء آخر في سبيل رحلة الحصول عليه، اجعله مهمتك ولو كلفك التخلي عن كل ما تملكه الآن". (وهذا ما فعلته الكاتبة فعلاً بعد ان تخلت عن كل شيء في رحلة للعثور على نفسها حول العالم لمن لم يقرأ الكتاب او يشاهد الفيلم). فكرت، حسناً اذاً ما الذي اريده حقاً، اريد السفر ، وكتابة كتابٍ جديد وغرفة زجاج عازل اشاهد منها الثلج والشتاء. ولكنني لا استطيع الحصول عليها الآن في ظل المرحلة التي أعايش، والحقيقة انني لا اريد التخلي عن كل شيء املكه الآن في سبيل الحصول عليها!! عندها توصلت الى الفكرة الآتية، اليزابيث جيلبرت مع كل خبرتها ونجاحها ليست على حق، نحن لا نحتاج للتخلي عن كل ما نملك في سبيل امتلاك شيءٍ آخر حتى نعثر على ذواتنا. نحن بحاجة الى ان نعيش في كل مرحلة نمر بها بكل جوارحنا، و ان نقدر ما نملك ونحبّه حتى نستيقظ كل صباح حامدين بدل ان نستيقظ ونحن نعد ما لا نملك متناسين كل النعم التي نحظى...