استَوصُوا بالنِسَاءِ خَيراً
في فترة دراستي للعلوم الشرعية مرّ معي في ما تضمنته السيرة أن السيدة عائشة رضي الله عنها كان لها جارية تخدمها في حجرتها، وقد استوقفني هذا الامر عندها طويلاً، خصوصاً عندما استذكرت قصة اخرى تناولت طلب السيدة فاطمة لجارية تساعدها.
إذ انهن كنّ يسكنّ في حجرٍةٍ صغيرة اذا ما قارانها في بيوتنا اليوم فإنها ليست سوى جزء صغير وإذ انّ كليهما كانتا في عمرٍ صغير مما يعني انهما كانتا ذوات قوة.
الذي استوقفني وجعلني استغرب الامر يومها هو انني معتادة على وجود امرأة في كل منزل من منازلنا تسمى " بست البيت". تقوم يومياً بتنظيف الكثير من (الحجر) الا جانب الطبخ والتدريس واحياناً العمل خارجاً، ومع هذا تنفذ الامر وكأنه واجب عليها و تقصيرها عيب يدل على عدم صلاحها، وبالتالي عدم رضى زوجها.
والجدير بالذكر انني اكتشفت لاحقاً ان جمهور الشافعية و الحنابلة و المالكية قد اتفقوا على عدم وجوب ان تقوم الزوجة بالقيام بخدمات المنزل.
لذا فإنني اكتب الآن من باب فشة الخلق لبؤس ما اراه في مجتمعنا في البيوت عامة وفي بيوت الملتزمين خاصة وأخص بذلك المتلزمين لأنه من المفترض انهم اعلم الناس بحق زوجاتهم و اكثرهم إتباعاً لسنة نبيهم التي تمثلت بالرحمة والإحسانٍ و إختصت منهما جانباً كبيراً للزوجة فكان من آخر وصاية النبي صلى الله عليه وسلم ان "استوصوا بالنساء خيراً."
لكنني وللأسف الشديد اجد ان اغلب البيوت في مجتمعنا تفتقر الى مفهوم "الرفق بالقوارير"، الرفق الذي يجعل الآخر يدرك ان زوجته مخلوق بشري، وليست آلة مهيئة تستطيع ان تستيقظ من الصباح حتى المساء لتطبخ و تنظف وتهتم بالأولاد و تلبي احتياجاته من شاي وقهوة وعصير و حلوى، و تكوي ثيابه وترتب اشيائه. ثم تعود لتأتي ليلاً وقد تزينت وتبسمت لتؤنس سهره دون ان تكون قد اصيبت بأي من التعب والإرهاق النفسي والجسدي.
هو يظنها آلة فيجلس كل نهاره دون ان يمد لها عوناً في امرٍ صغيرٍ بديهي كإعداد قهوته لنفسه مثلاً، واذا ما اشتكت من المٍ اصاب ظهرها او يدها يلقي عليها اللوم لأنها تعمل ليلاً ونهاراً متناسياً انه لولا عملها هذا لغرق وأولاده في القذارة و لاشمئز الناس من دخول منزله و لتنوالوا التراب.
انا ادرك انه هنالك كم كبير من الرجال الذين يعملون من الفجر وحتى النجر ولست هنا بصدد محاسبتهم، ولكن فليقدر هؤلاء على الأقل ان زوجاتهم تبذلن نفس الجهد تماماً في يومهن بل وربما اكثر.
ولا بأس بمساعدتهن في العطل بدلاً من الجلوس طوال النهار و صدع رأسهن بكم من الطلبات التي لا تنتهي وكأنهن لا يحتجن لمثل هذه العطلة ايضاً.
"خيركم خيركم لأهله"، لا ادري كم مرة كررتها في نصوصي الاخيرة ولا ادري كم مرة علي ان اكررها ايضاً ولا متى سيفهم المجتمع ان المرأة ليست آلة، ان الزوجة ليست خادمة ، وأنها ليست مخلوق جبار كذلك رغم انّ اللواتي يتحملن كل هذا هنّ جباراتٌ حقيقة.
لا ادري كم مرة علي ان اكرر حتى يفهم الناس ان الاسرة هي اساس المجتمع... ان كل شيء يبدأ من الاسرة وان الاسرة تبدأ من الزوجين.
العلاقة السليمة تساوي اسرة سليمة، والاسرة السليمة، تساوي مجتمعاً سليما.
لا تكونوا سبباً آخر في هزيمتنا، وفي قباحة مجتمعنا.... استوصوا بالنساء خيراً يرحمني ويرحمكم الله.
او انقرضوا.
ولا تنسوا حق الجار، وحق الشارع، وحق البيع ، وحق الأهل ، وحق الولد ... لا تنسوا ان الدين وحدة كاملة ، انه لا يتجزأ وأن رسالتنا الأولى هي إتمام مكارم الأخلاق.
لتبدأو من بيوتكم، من حاراتكم و احيائكم... وان لم تبدأو فبالله عليكم اعتقونا، او انطمرو فذلك ازكى لنا ولكم !
-نور الهدى|٨-٧-٢٠١٩|

تعليقات
إرسال تعليق