فَخْ

من منا لا يعرف من هو بيتر بان وقصته مع نيفرلاند والأطفال الضالين..في صغري كنت أحب بيتر بان جداً، إلّا انني لم اكن أحب أبداً رغبته في البقاء طفلاً ولم اكن افهمها. اما الآن بعد ان كبرت توضح لي كل شيء وبتّ افهم ما كان يعنيه بيتر عندما كان يقول"لا تكبري ابدا انه فخ".
من المضحك كيف اننا في صغرنا نرغب في ان نكبر بشدة، ان نجلس على طاولة الكبار، نقود السيارة ونتحدث كل تلك الاحاديث الغير مفهومة، ولكننا ما إن نكبر حتى نرغب في ان نعود صغاراً من جديد.
ربما ليس جميعنا... ولكني شخصياً اتمنى لو انني استطيع ان اعود طفلة، حيث كل شيء ممكن ولا شيء مستحيل وحيث كنت استطيع ان أعيش وابتكر كل ما اريد.
لم يكن الامر يتطلب الكثير على ايّة حال... لم اكن بحاجة الى أيّ نقود او معدات او ايّ علاقات حتى احصل على ما اريده او احقق ما احلم به. كل ما كنت بحاجة اليه هو القليل من الخيال وبعض الخرضاوات التي كانت تتحول بقدرة سحر الطفولة الي معدات ملكيّة او حربيّة او حتى الى شخصيات وحيوانات.
في طفولتي كل الناس كانت جميلة، كلهم بدوا سعداء وطيبين. لم اكن ارى ايّ اجساد ورقية، او اي وجوه بائسة... كانت الاسنان مجرد اسنان، العيون مجرد عيون، و الضحكات ايضا مجرد ضحكات...
قد تعارضونني في هذه النقطة او تسخرون مني، فالأسنان اسنان والعيون عيون،و..و..
ولكن لأكون صريحة فانا لم اعد ارى كل الاسنان اسنان احيانا ارى في بعض الوجوه انياب دموية تطاردني في منامي لأيام. واحيانا اخرى ارى في العيون وحوش مرعبة تجعلني انزوي الى تلك البقعة من قلبي حيث لا تزال  الطفلة تحتضن دبها الصغير في امان واطمئنان بريء بثقة بأن فارسها القطني سيحميها من كل الوحوش المختبئة.
وآه من كل تلك الضحكات التي تصرخ في صدى الحياة بمرارة والم فتنبعث اقرب الى البكاء...
هذا ليس محض خيال، للأسف لم اعد طفلة تعيش وسط الزمردية. هذه محض اشياء مجردة على حقيقتها، تصطف الى جانب الكثير من الخيبات التي يشرعها الواقع امام أعيننا المجردة.
انا لست سلبية او متشائمة هنا، انا فقط احاول ان اعبر عن احد جوانب واقعنا المرير. ولست اقول ان الدنيا تخلو من الجمال، على العكس من ذلك الدنيا مليئة بالأشياء الجميلة المبهجة و الملونة، وهنالك الكثير من الاشياء الجميلة التي لم نستطع اكتشافها او الشعور بها سوى عندما كبرنا.
ولكن الخيبات تأبى سوى ان تطاردنا متتبعة خيالات احلامنا، حطام اوطاننا، وجدران قلوبنا...
"لا تكبري صغيرتي، انه فخ"
29/1/2016
-نورالهدى عطوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها