لَيتَ قَومي يَفقَهُون

عزيزتي عدن، كنت اقول لنفسي ولك في ما مضى اننا نحن من يحدد الاشخاص الذين نريدهم من حولنا.
كان ذلك عندما كنت فتاةً في الثانوية تضحك من اعماق قلبها وتمضي اليوم برفقة اصدقائها المقربين جداً لتعود مساءً وتحادثك.
حسناً، اختلف الأمر الآن فقد كبرنا ولم نعد في الثانوية. لم نعد نستطيع ان نحدد من يجلس بجانبنا دائما، لم نعد نملك الوقت الكافي، ولم نعد نتحدث كل مساء واكتشفت انني كنت مخطئة، نحن لا نستطيع دائما ان نحدد الاشخاص الذين يجالسوننا!!
سأوضح لك اكثر، في مراكز العمل على سبيل المثال يقضي الناس معظم ساعات يومهم مع اشخاصٍ قد لا يحبذونهم واعتقد انك قد بدأت تعيشين الامر في تجاربك التطوعية كما أعيشه انا في عدّة ايامٍ من الشهر.
ورغم انك قد لا تحبذين الجميع الّا أنه عليك الإنخراط، و إحترامهم وتبادل الحديث معهم جميعاً.
سيكون البعض حادي الطبع، و سيتعارض فكرك مع الكثير منهم وقد يمتلك آخرون صفات قد لا تتحملينها ولكن كل ذلك جيد لانك ستتعلمين.
لذا اليك الدرس الاول الذي تعلمته لهذا الاسبوع، ليس الجميع لطفاء كما كنا نعتقد في صغرنا، وليسوا قساةً بالاختيار ايضاً.
البعض يستخدم الفظاظة كطريقة دفاع عن النفس، والبعض لم يستطع التعامل مع مجتمع يعجز عن تقبل الإختلاف، وإيجاد الاعذار لذا اختار ان ينخرط في السلك. هنالك اسباب عدة ولكن هنالك ايضاً سبب آخر اكبر بكثير.
سبب يجعلني اصنف دائرة الاشخاص خاصتي بحسبه.
ويجعل عدن من فلسطين وبيان من البقاع وفاطمة من الجنوب في الدائرة الأقرب للقلب.
ذلك بأنكن لن تحكمن على احدٍ سراً، ولن تلبسن احداً اثواباً ليست له، ولن تتعاملن بقسوة مع الناس اذا ما قست عليهم الحياة كما يفعل البعض. و لن تحكمن وتشفقن دون ان تتكلمن بألسنتكن وانما بملامحكن كما يفعل الاغلبية.
ذلك بأنكن تنتمين لطبقة واعية، طبقة تدرك ان الحياة قد تكون قاسية احياناً وأن الذين يتحملون يستحقون الاحترام لا الشفقة، طبقة تعمل بالحديث الشريف "التمس لأخيك سبعين عذراً" وتدرك ان الحياة دار فناء وابتلاء.
وحقيقة انني وانكن محظوظات، اتيح لنا ان نتعلم، ان نجرب وان نتربى على اخلاق الدين الحنيف.
لا يستطيع الجميع يا عزيزتي ان يدرك ان لكل مرء ظروفه الخاصة، وأنّ الحياة ستكون قاسية علينا جميعاً في مرحلة ما، وان الاشخاص يحتاجون الدعم لا تذكيرهم بمصيبتهم في مثل هذه الظروف.
لا يدركون ان الكلمة الطيبة صدقة وأن تبسمك في وجه اخيك صدقة، وانك بذلك لا تدخل الطمأنينة على قلب اخيك فحسب بل على قلبك ايضاً.
ومن هنا سأتطرق الى الدرس الثاني، أن "أحسن الى الناس تستعبد قلوبهم"، سواءً اظهروا ذلك ام لا.
لا ترد الخبيث بالخبيث ولا السيء بالسيء، صدقيني حتى لو لم يظهر الخبيث ذلك ولكنك في مكان ما ستتركين اثراً في قلبه.
كوني لطيفة خفيفة اينما حللتي، لا تدرين بأي كلمة تصلحين خراباً، ولا مدى ما تركته ابتسامتك على روح متعبة.
انظري كيف اكتست الاشجار بالزهر بعد شتاءٍ طويل وكيف ترفض ان تبقيها لنفسها فتجدي زهرها تارةً على طاولتك وتارةً لافحاً وجهك. وكيف تدرك الشمس اننا قد عشنا في ظل الغيوم لمدة ليست بقليلة فتسطع علينا بحب ودفء مضيئةً الأرض من جديد.
لما لا نكون كالشمس، لما لا نشرق بنور ربنا، ونبعث الدفء في قلوب الآخرين.
صدقيني إننا بالخير نأخذ اكثر بكثير من ما نعطي وتسكننا طمأنينة أكبر من التي نهبها.
ولكننا قومٌ فقراء لا ندرك، ويختار معظمنا أن يلقي بأخيه الى التهلكة حسداً من عند نفسه ظناً ان ذلك قد يخفف من حدّة بؤسه، وذلك ليس الاّ عارض غباءٍ وجهالة.
ليتَ قومي يفقهون يا عدن...صدقيني باتت لدي قناعة مطلقة بأنّ لين القلب هو المكون الاكبر الذي ينقص مجتمعنا وان عيبه الأكبر عدم وجوده، وأن نصف مصائب المجتمع كانت لتصلح لو انه وجد.
ولكن القلوب قد قست فهي كالحجارة او اشد قسوة، واكثر الناس لا يعقلون.
حافظي على لين قلبك ما استطعت تذكري ان الله يكره قساة القلب وأنّ اللين رزق يؤتيه الله لقلبٍ يحبه، وتذكري قول صاحب ألين قلبٍ عرفته السموات والأرض "ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟، تحرم على كل قريب هين لين سهل".
قريبٍ...هين...لين...سهل... فلنعمل على ان نكون كذلك.
-نور الهدى
روى مسلمٌ عن عائشة زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرِّفقَ لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانه).
صدق رسول الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها