طُوبَى للغُربَاء

عندما اختار الله نبيه إبراهيم ليكون من أولي العزم، كان أول ما تلقاه في دعوته أن كُتب عليه الخروج من بلده و الهجرة الى الأرض "التي باركها الله للعالمين" كما ورد في القرآن، و قد أمر النمرود بإخراجه بعد أن  خرج إبراهيم بسلامٍ من النّار التي أوقدها عليه قومه،  فرأى أنه لا مجال لمحاربته إلّا في نفيه.
ثمّ عادت الحكاية تتكرر عندما كُتبت الهجرة على خير البريّة و أصحابه محمد صلى الله عليه و سلم بعد أن حاربتهم قريش و ضيقت عليهم و طالهم منها الأذى.
و كلّ ذلك كان في بدايات الدعوة لله ، عندما كان الإسلام غريباً، و بمثابة تهديد للطواغيت التي أبت سوى ان تستكبر و تتعالى على الله عزّ وجل.
وها نحن الآن نشهد تكرر الحكاية إذ أنه ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ "
و ما أشبهنا بهذا الحديث!!
حربٌ ضروس على الإسلام و المسلمين تستعر في كل بقاع الأرض، لم تتخلف عنها أمّةٌ من الأمم في الشرق و الغرب، تطالعنا مصائبنا كل يوم بين غريق في الشرق و حريق في الغرب و مهاجرين من شتّى بقاع الأرض... و إرهاب يمارس ضدنا عبر كل الطرق، ثمّ بعد ذلك كله ينتهي بنا المطاف بخبرٍ قبيح يتشدق بوقاحة و يتهمنا بالإرهاب!!
و لعلّ أفضل ما قد يلخص الحال قول الشاعر " أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ تجده كالطير مقصوصاً جناحاه".
و السؤال المهم هنا، لماذا كل هذا!!
هل نحن فعلاً على خطأ، هل نحن ضعفاء لهذا الحد، أم انّ تاريخنا بالفعل قبيح كما نتهم!!
و الحقيقة ليست هذا و لا ذاك و إنما قباحة عالم لم يتعلم من قصص السلف، يصرّ على تجبره و إستكباره  و فساده في الأرض.
و يرفض أيّ صوت يصدح بالحق.
"يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ "
يصرون على أن نكون عبيداً ، تماماً مثلهم و لأننا نرفض إلاّ أن نكون أحراراً، لأننا نرفض إلاّ أن نكون غرباء يحاربوننا بكل ما اوتوا من ضلال!
و يجهلون أنّ "اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"
هذا زمن الثبات، زمن الصبر ، زمن الإختبار و الإبتلاء.
فأثبتوا يرحمني و يرحمكم الله و رابطوا على ثغوركم فلا يأتي الدين من قِبلكم.
كتب الله على الأنبياء و هم أحب الخلق الى الله أن يحاربوا و يهجروا و يكذبوا، و كتب علينا كورثتهم أن نسير على دربهم ، فإن نحن احسنّا المسير نلنا من العزّ ما نالو.
فاثبتوا و سيروا عسى ان يفتح الله لنا فتحاً مبيناً، عسى أن يكافئنا الله بمثل ما كوفئ الذين من قبلنا... عسى ان يعم نورنا الأرض يوماً كما أغدق العالم نور الذين من قبلنا.
لم يُؤتى  المسلمون القوة في زمن من الأزمان دون أن يختبر الله صبرهم و ثباتهم... و دون أن يكتب عليهم الجهاد "وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً"

ف"صْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"

نحن في زمنٍ يراودنا عن نفسنا في كل يوم، يقاتلنا بكل وسيلة و يقيم بحقنا مراسم في الإبادات الجماعية بكل وقاحة و على مرأى و مبهج الجميع.
يذكرنا بأننا غرباء... يشعرنا بأننا غرباء.

و حسبنا أن نكون فيمن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم "فطوبى للغرباء"، طوبى للذين "يصلحون إذا فسد الناس"
فاللهم إستقامة، اللهم ثبات... اللهم نصر.
---------
" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ"
-نور الهدى
٢١-١٢-٢٠١٩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها