اللّهم ثَبَات

في الثانية عشرة من العمر كنت أقف ووالدي على سطح منزلنا نراقب الغروب يغلف قريتنا الجميلة، لم نكن نتكلم الكثير و لا اذكر تحديداً مالذي كنت افكر فيه حينها، ولكنني أذكر انني اخبرت والدي أنني سعيدة جداً بكوني في الثانية عشر وأنني الآن لازلت طفلة إلاّ انني استطيع ان افعل ما اريد.
و فعل ما اريد في ذلك الوقت كان يعني ذهابي في النزهات البرية مع صديقتي او إعداد صحن من "الكوكتيل" دون رقابة احد من الكبار.
ولكن الامر عنى لي جداً ، و عندما افكر بالأمر الآن اعتقد انه كان بداية لمسي لكينونتي الخاصة و إدراكي لنفسي في هذا العالم وما يحيط بي.
كان اول الخطوات في رحلة العثور على

" من أنا!!"

السؤال الذي طرحته لأول مرّة على دفتر مذكراتي عندما كنت في الرابعة عشر دون أن ادوّن تحته أيّ جواب.

في الخامسة عشر

كنت أقرأ الكثير من الكتب، أشاهد الكثير من الأفلام واستمع للكثير من الألحان.
كان لدي نهم للمعرفة و طاقة كبيرة تدفعني نحو الاستكشاف، و إن كان ذلك يتطلب مني القيام بأمور خاطئة و أشياء لا يجدر بي القيام بها.
لكنني كنت افعلها بأية حال رغم معرفتي بعدم صوابها!
كان يسكنني فضول كبير اتجاه كل شيء ، وكنت مستعدة لخوض أي مغامرة و قراءة أي كتاب مهما بلغ عدد صفحاته لإيجاد أجوبتي.

في السادسة عشر

كنت قد قرأت الكثير من الكتب، و قمت بالكثير من الامور الغبية و الذكية على حد سواء! و كانت قد توضحت لي الكثير من الأسئلة ولكنني كنت اشعر بغربة خانقة.
غربة عن كل شيء، الواقع، الزملاء، الاصدقاء، العالم الذي نسكنه...كل شيء!!
كنت أشعر أنني في عالمٍ موازٍ لا يشعر به احدٌ سواي و لم اكن استطيع تحديد شعوري اتجاه ما أعيشه إذ انني لم اكن ادري إن كان علي ان اكره وحدتي او أن أهيم بسحر العالم الذي يسكنني وحدي.
ووسط تلك الغربة و ذلك الضياع عاد السؤال يطرح نفسه
"من أنا!!".
و كدت أغرق... كدت أغرق في الأمور التي بت أعرفها و لا اعرفها ، كدت اغرق في عالمي و كادت غربتي تخنقني.
ولكن لطف الله أنقذني، وكان طوق النجاة قلب أمي و صديقة رافقتني منذ طفولتي تقبلتني و احبتني في كلّ اطواري.
كانت أمي طبيبتي رغم انّها لم تدري!! تستمع لي عند الحاجة ،تجيب عن معظم أسألتي الكثيرة، تنصحني بالمزيد من الكتب و تنصحني بالكتابة.و فتحت لي المجال لتحمل المسؤولية و تفريغ طاقتي عبر إستلامي لإحدى الفرق الكشفية، و إنخراطي في العمل الدعوي في المنطقة.
في السابعة عشر

استطعت ان اوازن بين عالمي الخاص و العالم المحيط، كنت بقدر المسؤولية التي توكل الي، اتطوع كثيراً، و اكتب كثيراً و بدأت بكتابة اول اقصوصة لي.
شعرت حينها أنه اصبح لي طريق أضع عليه قدمي في هذا العالم، و بدأت علاقتي بخالقي تتبلور بشكلٍ لم أعايشه من قبل. بدأت أفهم علاقتي بخالقي و بدأت نظرتي اتجاهه تتخذ طابع العشق، و عباداتي تتجه نحو الحب اكثر من مجرد واجبات دينية كان علي القيام بها لاثبت أنني شخصٌ مؤمن.

في التاسعة عشر

كنت قد اتممت دراستي الثانوية العامة و الشرعية و دخلت، الجامعة لدراسة الادب الانجليزي، و نشرت اقصوصتي الصغيرة على صعيد ضيق اقتصر على معارفي و معارف معارفي. و لكنني كنت فخورة جداً بما انجزته.
كنت أشعر برضى عن الذات و أنني وجدت موقعي في هذا العالم و ما اريده.
كنت أعيش صلحاً كاملاً مع نفسي ، أفهم كل ما أعايشه ،أعرف ما اريده، و راضية عن الشخصية التي كونتها رضىً تاماً، شعرت انني استطيع اخيراً أن اجيب عن سؤالي:
"من انا!!"
وكان الطريق يبدو لي واضحاً و مزهراً.
إلاّ أنه بقي في القلب ثغرة واسعة احتاجت ان تكلل بالحب، و لم يطل الأمد حتى ملئت في العشرين. بعد أن ساق الله لي رجلاً فصّل على مقاس أحلامي التي رافقتني طوال الفترات السابقة.
وشعرت أنّ الاحجية اكتملت اخيراً..
إذ انني كنت قد بلغت العشرين... السن الذي نحلم به جميعاً في مراهقتنا، عثرت على ذاتي و رفيق القلب و الدرب، و توضح لي المستقبل بشكلٍ ساطع اكثر من أي وقتٍ مضى.
إلاّ أنّه على عكس ما ظننته، بقيت الاحجية ناقصة!!
كنت اظنّ طوال تلك الفترة أنني ادرك ما اريده و اعرف تماماً ما اجيد و كنت احسبني في عداد المسلمين الملتزمين الذين يعملون لخدمة الدين!
وما أقصر رؤيتنا و ما اجلهنا!!
في السنتين الأخيرتين بدأت أعي مدى سطحية المعنى الذي أعيشه في حياتي بالرغم من انني كنت اظنني اعيش بعمق منذ بدأت ادرك معنى "أن أعيش".
توسعت عيني فجأة على حقيقة العيش لله ، انا التي كنت احسبني اؤدي كفات فرائضي و أنّ حبل وثاقي بالله متين.
تيقنت أنّ صلاتي و صيامي و تراتيل آياتي لا تكفي رغم انّها كانت تسد رمق الأيام و تكفي قوت الروح.
كنت أعيش في سلامٍ مفرط، مكتفية بعباداتي الصوفيّة، بكتاباتي القليلة، و بأيامي الهادئة.
ولكن ذلك لا يكفي!!
و فجأة اكتشفت انني لا اسير على الدرب الذي يتوجب بي أن أسير عليه.
فدربي هذا مزهرٌ جداً، وديعٌ جداً لا تحفه أيّة أشواك، و دروب المخلصين لا تكون دون ذات شوكة.
أنا الآن في ال٢٢، استطيع أن أقول اخيراً انني ماضيةٌ و اعرف ما دربي و ما هدفي، استطيع ان اقول اخيراً و بملئ ثقتي و يقيني انني نذرت حياتي لله ، أنني وجدت الغاية الأكبر، و أنني سأحيى لاكون خليفة.
و أنّ جميع إيجاباتي السابقة عن "من انا" لم تكن بصحيحة قبل الآن!
مضى من العمر ٢٢ سنة و ٥ أشهر، عشت منها ٢٠ عاماً وانا اكتب لنفسي، و أحيى لنفسي و أشعر لنفسي و اظنني من المفلحين!
وما عشت من العمر حقاً الاّ سنتين و ٥ أشهر إذ اننّا لا نحيى فعلاً إلاّ عندما نقرر ان نحيى لله، و أحسبني الآن من المفلحين رغم أنّ الدرب لا يزال طويل، طويل وما انا بمبرأة نفسي.
و قد سألت الله السلام طويلاً، و عشت بالسلام طويلاً و لكنّ حال قلبي يردد الآن" اللهم ثبات".
"اللهم ثبات"
-نور الهدى
-----------------------------
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)"

"اللهم استخدمني لنصرة دينك و إعلاء رايتك... اللهم اجعلني من المصلحين الصالحين و جميع من قال آمين"
"اللهم آمين"
|نور الهدى| ١٦-١٢-٢٠١٩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها