المشاركات

هاوية!

صورة
لا ضوء يلمع في الأفق، ولا يبدو أنّ في الأيام بصيص أمل. مجرد وجوه متعبة على مدّ العين و النظر ، طوابير سيارات لا تنتهي، و أرقامٌ على السلع تلتهمها النفوس قهراً قبل ان تجد طريقها إلى المعدة (إن فعلت). يقولون الحيتان إلتهمت البلد... و لكن ليس من فطرة الحيتان الجشع، ليس من فطرتها القسوة، و حتى الآن لم يتم إكتشاف أي نوع من الحيتان الفاسدة. حتى الوحوش... لا يمكننا أن نستخدم لفظاً كذلك! فالوحش يطارد فريسته، يأخذها بتعبه و عرق جبينه و يُقَابَل بالخوف. أمّا في حالتنا فإن الفريسة هي من تسلم نفسها، تسلمها برضىً تام، بفخر، و بدفاعٍ عن مفترسها. تُنهش حيّةً القطعة تلو القطعة بفمٍ مبتسم، لا بل و إنها تصطحب معها عنوة ً فريسة أخرى مُكرهة لا ذنب لها، و لا حيلة أو قوّة. هذه البلاد لم تعد تحتمل، لا شيء يشبه ما يحصل. و في كلتا الحالتين، أكنت فريسة مجرمة أم ضحية لفريسة اخرى. في كلتا الحالتين فإنّك تُنهش دون رحمة. و لكنك لا تتحرك، لا تفعل شيئاً... تفقد الأمل بسبب ما تراه و تجد أنّ الحل الوحيد يكمن بالهروب إلى أجلٍ غير مسمّى. تهرب إن حالفك الحظ... تركب و آخرين طائرات محملة بالراحلين دون أن يقابلها كثيرٌ من ال...

إبنة أبيها

صورة
تابعت منذ فترة غير بعيدة سلسلة محاضرات في التربية للدكتور مصطفى أبو سعد تمحورت حول كيفية بناء أبناء يمتلكون القوة و الثقة. و قد كنت و قبل أن أمر على مثل هذه المحاضرات و أمثالها من البرامج و الكتب ممتنة جداً لوالداي و الطريقة التي ربياني بها. و لكنني بعد مشاهدتي أصبحت ممتنة أكثر. كان الدكتور يتحدث عن أهمية مصاحبة الأبناء، أهمية القبل و أنواعها و كيفية الحوار. و ما أذهلني أنني لم أكن غريبة عن كل ذلك، بل إنني قد لامسته بشكلٍ شخصي من خلال معاملة والدي لي منذ صغري و حتى الآن. لا أدري هل مرّ على كتب، أم شاهد المحاضرات كما أفعل الآن، و إن كانت مثل هذه الأمور متوفرة في زمنه حتى. أو أنّه أسلوب فطريٍّ لشخصٍ لعب دور المربي و القائد لسنوات عديدة. و لكن والدي كان قد طبّق معي تماماً ما كان الدكتور يمليه. تماماً بكلّ حذافير ما قيل... لم يخطئ ذلك الذي قال أننا نستمد طيبتنا من أمهاتنا و ثقتنا من أبائنا. مع الوقت أصبحت أؤمن بهذه المقولة لا أعجب بها فقط. و أنا مدينة بثقتي لوالدي... مدينة له لأنه ساعدني على تخطي رهاب المسرح بسهولة عكس الكثير من أقراني لسبب واحد فقط، و هو أنني كنت أوقن أنني سأرى وجهه مبتسم...

ال "أنا" الجديدة

صورة
لا يخطئون عندما يخبرونك أنك مقبل على قرار مصيري عندما تقرر أن تتزوج. و لن تدرك انت ذلك أيضاً بشكلٍ واضح حتى تجد نفسك وسط حياة جديدة كليّاً، في عالم جديد، و في ظلّ تكوينٍ لشخصيّة جديدة. عندما تقرر ان تتزوج فأنت تضع نفسك أمام خيار إجباري لا رجعة فيه بأن تتخلّى عن حياتك ك"أنا" و تبدأ أخرى تحكمها ال"نحن". خيارٌ قد يكون الأجمل و الأكثر تحديّاً في الوقت نفسه. فأنت بعدها ستجد دائماً كتفاً تستند إليه و لن تضطر لمجابهة حروبك وحدك... ستشعر أنّك دائماً محاطٌ بهالةٍ من الأمان و السكون. و أنك تعيش في سكنٍ دائم مع أعزّ أصدقائك، و لكن لهذا الأمان ضريبة تتمثل بالتنازل. التنازل عن جزء كبير من حريتك الشخصيّة في سبيل تحقيق الإنسجام مع المعايير الجديدة التي لن تحكم حياتك وحدك بعد الآن. الزواج بإختصار هو المشاركة بكلّ ما تحمله كلمة مشاركة من معنى. و هو بصراحة لا يليق بأولئك الذين لا يحبذون العمل الجماعي، و قد يكون مصيدتهم! و كذلك الأمر لمن يجدون صعوبة في التأقلم و التخلّي عن العادات. لأنه سيكون محكوماً بجوٍّ جديد، روتين جديد، و عادات جديدة. هو مغامرة حقيقية قد تكون قيداً لمن لا يجيدون ...

صانعات ‏الرجال

صورة
إلى اللواتي لا يذكرن إلّا عند خطوب الفقد، إلى من سقين زهر هذه الأرض من دموعهنّ النقيّة و نثرن من فلذاتهن عبقاً على طول الوطن.  إلى اللواتي سهرن ليالٍ مع القلق، و عرفن طريق التصالح مع الخوف و نسجن مع الله خيوطاً كانت نجاةً من الوقوع في الوحدة. إلى بطلات العالم الحقيقيات... زوجات المجاهدين اللواتي نغزل النصر من صبرهن، نساء العالم الخارقات اللواتي يتحملن أيام البعد، ساعات الإنتظار و يتعلمنّ كيف يحتضنّ قلوبهنّ بصمت. اللواتي يتقنّ  رعاية السواعد المتعبة و المسح على الهامات المرهقة و اللواتي يسكبن من أرواحهنّ لتثبيت النفوس المندفعة. إلى زوجات الأسرى اللواتي تعلمنّ التحليق بحريّة رغم القضبان، اللواتي إستطعن كسر السلاسل بعاطفتهنّ و استطعن أن يشعلن الدفء حتى في أكثر الأماكن قسوة و برودة. إلى أمهات الشهداء.... الهامات الشامخة التي نستند جميعاً إليها- عواميد النصر و مصابيح الأمل- إلى اللواتي نذرن ارواحهنّ و ارخصنها للغاية الكبرى. إلى حبيبات الرحمن... حبيباتنا جميعنا، أمهاتنا جميعنا و الجذع الذي تمتد منه جذورنا. إلى كلّ أمٍّ أعطت من وقتها في تحفيظ آية، تعليم صلاة، تلقين حديث و...

بإنتظار ‏شفاء...

صورة
في مثل هذا الوقت من العام الفائت، كنّا نضع ميزانية زفافنا، نحصي عدد الأحبة و ندرس الأماكن التي ستليق بضمهم جميعاً و الأطعمة التي سنتشاركها سويّاً.  كنّا نفعل ذلك مع كثير من الضغط كأيّ عروسين،و لكن شاء الله أن ندخل تلك المرحلة مع دخول إبتلاء غريب يشهده العالم لأول مرة ممّا زاد من حدّة العبء الذي كان علينا. توقفنا عن التفكير بالعرس، و بدأ القلق يأكلنا من الزائر الجديد الذي فرض نفسه بوقاحة مفرطة و جعلنا جميعاً حبيسي المنازل لتخلو له الساحة وحده. شهر كامل أمضيناه في منازلنا بعيداً عن وجوه الأحباء جميعاً، كانت لنا الطبيعة فيه الفسحة و المتنفس الوحيد و إستطاعت أن تحوّل تلك المحنة إلى منحة. كان الطقس ربيعيٌّ بديع و كانت هي المكان الرحب الذي نهرب إليه من أخبار المرض و الموت و الخوف من العدوة. كنّا نلجئ إلى الشمس، و الشاي، و أشجار الصنوبر و إستطعنا أن نجعل الشهر يمرّ برحابة صدر ربما إفتقدها قاتنوا المدن في تلك الأزمة. و لكنّ الوباء و رغم مرور شهر كامل لم يرحل، بل كان ينتشر و يتوسع أكثر فأكثر. و أذكر أنني عندما خرجت من حجري لأوّل مرّة شعرت بالخوف من الناس و بالهجنة و كأنني كائن غ...

2020

صورة
2020? ربما مللنا جميعاً من رؤية هذا الرقم، و ربما تأفف أحدهم في أثناء تصفحه و مرّ على هذا المنشور مرور الكرام لأنّه تعب من كثرة اللّت حول هذه السنة... و ربما أكون انا هذا الشخص و لو أنني رأيت الموضوع على صفحة أخرى لتصرفت بنفس الطريقة. و لكنني و بملل أجلس هنا، أكتب عن... 2020. و مللي حقيقة ليس نابع من شعوري السلبي إتجاه السنة، بل على العكس هذه السنة كانت من أفضل السنوات التي مرّت علي على الإطلاق... بل أفضلهنّ جميعاً. و لم يتوقف الأمر فيها على ما أنجزته على الصعيد الشخصي او كيف أنني استطعت أن  أحقق جميع أهدافي. و لكنني قد رأيت رحمة الله تحيط الجميع و رأيت السعادة تغمر معظم أحبائي. هل سأصوّر الأمر و كأنّها كانت السنة الأفضل للجميع! بالطبع لا فكما كل السنوات الأخرى لم تكن الأفضل للجميع و لا الأسوء كذلك. و كما كلّ السنوات تعرض فيها العالم للنعم و الإبتلاء على حد سواء. و كما كل السنوات مررنا فيها بما جعلنا نطرب فرحاً و ما جعلنا نقف في إمتحان صعب مع أنفسنا. لا شك أنّها كانت سنة إستثنائية... على الأقل بالنسبة لي. و لكنّها بالنسبة لآخرين قد كانت عادية، أو ربما كانت الأسوء لأشخاص آخرين كذلك....

طوفان

صورة
في إحدى رحلاتي مع عزيز مررنا على إحدى الشواطئ نستريح قليلاً. كان الطقس يحمل هواءً بارداً جعل البحر يهيج بقوّة، حتى أنّ الموج ارتطم بنا عدّة مرات رغم بعدنا بعض الشيء عن البحر. يومها أخبرني رفيق رحلتي أنّه لا يحبّ البحر... به شيء مخيف رغم جماله... به عمق و قوة يستطيعان أن يجرانك هكذا في غضون لحظات إلى العدم! و قد وافقته يبدو مخيفاً فعلاً. مخيفٌ لأنه و بشكلٍ ما ذكرني بالأيام... كيف أننا نتخبط فيها بين مدٍّ و جزر. و كيف تبدو بعضها وادعة هادئة و تبدو أخرى أشبه بموجة عاتية لا تبق و لا تذر. بدى لي البحر مرآة أيامنا... و قدر الكثيرين فعلاً، فإنه و كما يقال ساعد على إمتصاص إنفجار بيروت منذ أسابيع قليلة، مما يعني أنّه أنقذ قدر الكثيرين و في الوقت نفسه التهم أرواح آخرين منذ سنوات عديدة. لم أكن انا لا الناجي و لا الضحية في كلتا الحالتين. و لكنني في غمرة تحديقي شعرت أنني كليهما. كليهما في زورق تخبط الأيام. تذكرت جيداً عبارة كنت قد دوّنتها في مذكرتي و على جداريتي و نحتها في قلبي. كنت أقرأها في كل يوم تقريباً و أستذكرها قبل النوم "أنا الغريق و لطف الله ينجيني". تذكرت أيامي.. أيامي التي تأتي...