بإنتظار ‏شفاء...

في مثل هذا الوقت من العام الفائت، كنّا نضع ميزانية زفافنا، نحصي عدد الأحبة و ندرس الأماكن التي ستليق بضمهم جميعاً و الأطعمة التي سنتشاركها سويّاً. 
كنّا نفعل ذلك مع كثير من الضغط كأيّ عروسين،و لكن شاء الله أن ندخل تلك المرحلة مع دخول إبتلاء غريب يشهده العالم لأول مرة ممّا زاد من حدّة العبء الذي كان علينا.
توقفنا عن التفكير بالعرس، و بدأ القلق يأكلنا من الزائر الجديد الذي فرض نفسه بوقاحة مفرطة و جعلنا جميعاً حبيسي المنازل لتخلو له الساحة وحده.
شهر كامل أمضيناه في منازلنا بعيداً عن وجوه الأحباء جميعاً، كانت لنا الطبيعة فيه الفسحة و المتنفس الوحيد و إستطاعت أن تحوّل تلك المحنة إلى منحة.
كان الطقس ربيعيٌّ بديع و كانت هي المكان الرحب الذي نهرب إليه من أخبار المرض و الموت و الخوف من العدوة.
كنّا نلجئ إلى الشمس، و الشاي، و أشجار الصنوبر و إستطعنا أن نجعل الشهر يمرّ برحابة صدر ربما إفتقدها قاتنوا المدن في تلك الأزمة.
و لكنّ الوباء و رغم مرور شهر كامل لم يرحل، بل كان ينتشر و يتوسع أكثر فأكثر. و أذكر أنني عندما خرجت من حجري لأوّل مرّة شعرت بالخوف من الناس و بالهجنة و كأنني كائن غريب يراهم للمرة الاولى.
على كل حال بعد مرور ذلك الشهر عدنا إلى الحياة الطبيعية في قريتنا نظراً إلى أن الوباء كان ما يزال بعيداً عنها و أنّنا بدأنا نعتاد على هذا الإبتلاء و لم يعد مخيفاً جداً. و عدت أفكر بالعرس الذي كان قد أصبح قريباً كانت تحضيراته قد باتت أسهل، نظراً إلى أنّه في ظلّ ما كنا نعيشه كان القيام  بمخطتنا الأول سيكون جرماً.
لذلك و بعد ما يقارب الشهرين تزوّجنا في حفلٍ صغير جداً محدود المدعويين و لكنّه و بحمد الله كان لطيفاً و دافئاً و حمل من اليسر الكثير.
و بعد أربعة أشهر من ذلك كنت على موعد مع إمتحاناتي الجامعيّة الأخيرة، و كان الوباء و رغم مرور كلّ ذلك الوقت لا يزال موجوداً بل إنه قد تضاعف و إزدادت خطورته.
تابعت محاضراتي و كما الجميع من المنزل عبر شاشة و قدمت إمتحاناتي بكفٍ و كمامة و الكثير من المعقمات و التوتر.
ثمّ مرّ شهرين آخرين أتى بعدهما يومٌ حمل بشرى التخرج و لكنّه و كما الأيام السابقة حمل في مسائه جدولاً بأعداد المصابين و الوفيات.
بعد ذلك اصبح زوال هذا الوباء في وقت قريب يبدو مستحيلاً، لذا إختار النّاس التأقلم.
سافرت بكمامة و قفاز، تناولت الطعام بطعم المعقم و عدت لأغزّ عوداً في أنفي.
شاركت في دورات إلكترونية لا تحصى، نلت شهادات تعادل جميع ما نلته طوال حياتي... و تأقلمت و كما الجميع على الحياة الجديدة من خلف الشاشة.
مرّ ما يقارب العام.... و ما زال الوباء موجوداً، بل إنّه قد اصبح أكثر سوءً. و نحن رغم أننا سعدنا بالعزلة بادئ الأمر، رغم أننا إستطعنا أن نحقق الكثير من أحلامنا رغماً عنه، و رغم أننا إستفدنا و حُزنا على الكثير من الشهادات دون أن نغادر منازلنا.
قد تعبنا...
تعبنا من الخوف، من الإشتياق لوجوه أحبابنا، من عدم رؤية وجوه معلمينا دون شاشة، و من نعمة الحلقات و الحفلات و المناسبات التي حرمنا منها.
و الأهم تعبنا من الموت... و الجهل... عدم المبالاة، و قلّة الحيلة.
أظلّتنا رحمة الله طويلاً خلال هذه الأزمة و اثبتنا أن الإنسان قادر على التحدي و مواجهة أيّ شيء... و انّه قادر على عيش أحلامه و الفرح حتى لو لم تأت الأمور كما خطت.
قدرنا نعمة الصحة اكثر، أحبائنا أكثر، و هِبنا الموت أكثر.
و لكن لكلّ حرب نهاية، و نحن نتوق لإعلان إنتصارنا.
لذا آمل من كل قلبي ألّا يطول ذلك أكثر... و ادعو الله  أن يرفع الوباء و البلاء عن العباد.
و ان نعود إلى ما كنّا عليه، و لكن هذه المرّة بروح جديدة و قلوب جديدة، أكثر حبّاً لله و تعظيماً للنعمة.
عسى أن نستطيع رؤية هذا العالم مكللاً بالشفاء فعلاً.
-نور الهدى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها