طوفان


في إحدى رحلاتي مع عزيز مررنا على إحدى الشواطئ نستريح قليلاً. كان الطقس يحمل هواءً بارداً جعل البحر يهيج بقوّة، حتى أنّ الموج ارتطم بنا عدّة مرات رغم بعدنا بعض الشيء عن البحر.
يومها أخبرني رفيق رحلتي أنّه لا يحبّ البحر... به شيء مخيف رغم جماله... به عمق و قوة يستطيعان أن يجرانك هكذا في غضون لحظات إلى العدم!
و قد وافقته يبدو مخيفاً فعلاً.
مخيفٌ لأنه و بشكلٍ ما ذكرني بالأيام... كيف أننا نتخبط فيها بين مدٍّ و جزر.
و كيف تبدو بعضها وادعة هادئة و تبدو أخرى أشبه بموجة عاتية لا تبق و لا تذر.
بدى لي البحر مرآة أيامنا... و قدر الكثيرين فعلاً، فإنه و كما يقال ساعد على إمتصاص إنفجار بيروت منذ أسابيع قليلة، مما يعني أنّه أنقذ قدر الكثيرين و في الوقت نفسه التهم أرواح آخرين منذ سنوات عديدة.
لم أكن انا لا الناجي و لا الضحية في كلتا الحالتين.
و لكنني في غمرة تحديقي شعرت أنني كليهما.
كليهما في زورق تخبط الأيام.
تذكرت جيداً عبارة كنت قد دوّنتها في مذكرتي و على جداريتي و نحتها في قلبي.
كنت أقرأها في كل يوم تقريباً و أستذكرها قبل النوم "أنا الغريق و لطف الله ينجيني".
تذكرت أيامي..
أيامي التي تأتي و تذهب مسرعة تماماً كتلك الأمواج
بعضها دون معنىً كلياً، بعضها مهام صغيرة ذات أثر بعيد.و بعضها قوي سعيد مجلجل يرتطم في كل شيء و ينحت القلب كأجمل ما يكون..
و أخرى باهتة مظلمة حزينة كأعماق سوداء لا يمسها نور عدى بصيص سماوي دافيء كان باستطاعته ان ينتشلني في كل مرّة.
مرّ وقت طويل منذ أن رُميت في ذلك العمق البارد... منذ أن شعرت بالحزن و لعلّها أجمل نعم الله و أكثرها رحمة، فالله أعلم بمدى ظلمة الحزن إن أصابني.
و لكن العيش في الأيام هكذا، باعتبارها ساعات، و مهام... باستهلاك الفرح بهذا الشكل المبالغ فيه يخيفني.
يشعرني بأنني لا أقدّر النعم كما يجب، بأنني إعتدت النعم للحد الذي بت أعتبرها فيه جزءً غير زائل...و يا لتعسي إن كان الله يبتليني بذلك.
نسيت أنّه لكل مدّ جزر.
و أنّه عليّ أن أستغل هدوء البحر لا بالإستجمام فقط، بل بالتشمير و الإصطياد.
أيامٌ معدودات... فلا تجعلها تمرّ دون عبادتك يا الله، لا تجعلها تمر دون ان يكون في كل يوم غاية تودي اليك او عمل صالح يقربنا إلى جنتك، و لا تجعلنا ننسى ذكرك و فضلك في عزّ طوافنا بالنعم.
"رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ"
و اكتب لنا بركةً في العمر و العمل.
انا الهباءة في كونك... فلا تفتني في نعمك و لا تفتنّي في نفسي.
-نور الهدى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها