إبنة أبيها
تابعت منذ فترة غير بعيدة سلسلة محاضرات في التربية للدكتور مصطفى أبو سعد تمحورت حول كيفية بناء أبناء يمتلكون القوة و الثقة.
و قد كنت و قبل أن أمر على مثل هذه المحاضرات و أمثالها من البرامج و الكتب ممتنة جداً لوالداي و الطريقة التي ربياني بها.
و لكنني بعد مشاهدتي أصبحت ممتنة أكثر.
كان الدكتور يتحدث عن أهمية مصاحبة الأبناء، أهمية القبل و أنواعها و كيفية الحوار. و ما أذهلني أنني لم أكن غريبة عن كل ذلك، بل إنني قد لامسته بشكلٍ شخصي من خلال معاملة والدي لي منذ صغري و حتى الآن.
لا أدري هل مرّ على كتب، أم شاهد المحاضرات كما أفعل الآن، و إن كانت مثل هذه الأمور متوفرة في زمنه حتى. أو أنّه أسلوب فطريٍّ لشخصٍ لعب دور المربي و القائد لسنوات عديدة. و لكن والدي كان قد طبّق معي تماماً ما كان الدكتور يمليه.
تماماً بكلّ حذافير ما قيل...
لم يخطئ ذلك الذي قال أننا نستمد طيبتنا من أمهاتنا و ثقتنا من أبائنا.
مع الوقت أصبحت أؤمن بهذه المقولة لا أعجب بها فقط.
و أنا مدينة بثقتي لوالدي...
مدينة له لأنه ساعدني على تخطي رهاب المسرح بسهولة عكس الكثير من أقراني لسبب واحد فقط، و هو أنني كنت أوقن أنني سأرى وجهه مبتسماً فور أن أطئ المنصة و أنه سيمتدحني طويلاً في المنزل و طريق العودة إليه، أنا الآن أستطيع التحدث بجرأة و التعبير عن أفكاري بفضل ذلك.
مدينة له لأنه كان يصفق لأي عملٍ أقوم به مهما بلغت سخافته. كتشجيعه المستمر لرسوماتي رغم انني لم أمتلك يوماً تلك الموهبة الفذة بالرسم.و تعليقه لتلك اللوحة التي رسمتها في الصف العاشر و كانت أدنى جمالاً من لوحات نصف صفي على حائط المدخل في منزلنا.
أذكر كيف كنت ألقي عليه دائماً الخطب التي كنت أشارك بها في المسابقات المدرسيّة، النصوص التي كنت أكتبها في حصص التعبير و السور التي كنت أحفظها مع مدرّستي.
كنت أفعل ذلك دائماً و أنا على يقين بأنه سينال إعجابه مهما كان.
و ذلك بالضبط ما يحتاجه كلّ طفل... الشعور بأهمية ما يقوم به و أنّ هنالك شخص ما يقدره.
يكفي الطفل أن يشعره شخص واحد بقيمته، فكيف إن كان ذلك نابع من والده و النموذج الذي يبدو خارقاً لمعظم الأطفال.
كبرت و أنا أثق بقدراتي بفضل ثقة والدي، و بقي هو أحد أهم الأشخاص الذين أريدهم أن يكونو بجانبي في نجاحاتي دائماً.
أنا مدينة لهذا الرجل لقوتي، مدينة له لليوم الذي إحتضنني فيه عند توقيعي أقصوصتي الأولى و بوحه لي بمدى فخره، كان ذلك سيكفيني يومها و لو لم يشتري أحدٌ كتبي.
و مدينة له أكثر يوم واجهت فشلي الأول، و قابله هو بإيجابية نادرة بعيداً عن الغضب، اللوم، و القسوة.
مدينة له عندما كرهت أنفي في سنوات مراهقتي الأولى و أصرّ هو دائماً على معارضتي في كرهي و حكمي.
مدينة له يوم وّدعني أمام المنزل الذي إحتوى طفولتي وسط دموعه و مشاعره الذي لم يخف يوماً من التعبير عنها و علمني كيفية عدم الخجل من فعل ذلك أيضاً. مدينة له لتردديه يوم زفافي "أنا فخور بك"، يوم تخرجي "أنا فخور بك"، أثناء جلوسي دون أي مناسبة "أنا فخور بك".
و انا فخورة بك جداً و محظوظة بكونك والدي، انا قويّة اليوم بفضلك و بفضل الثقة التي أمددتني بها.
نحن مدينون بجميع نجاحاتنا لأبائنا... مدينون لهم للأبد.
كلّ فخرٍ، كل إنجاز و نجاح، هو صنيعتكم أنتم أولاً، و كل ما سنزرعه بأولادنا يوماً تعلمناه منكم قبل المحاضرات التربوية.
أن تكونوا أباء جيدين لأبنائكم... ذلك أقصى إنجاز قد يمكن لإنسان أن يحققه مهما بلغت عظمته و مكانته.
أولادكم لا يحتاجون أموالكم و لا توجيهاتكم بقدر حاجتهم لمحبتكم و إحترامكم و تقديركم لهم.
لن تستطيعوا بناء أبناء مميزين، إن لم تشعروهم بذلك.
شكراً أبتي، لأنك و حتى الآن تشعرني أنني مميزة حتى في الأيام التي يفوتني فيها أن أشعر بذلك.
فخورة للأبد بأنني إبنة أبيها... بأنني إبنتك.
-نور الهدى

تعليقات
إرسال تعليق