وَطَنٌ و مَنفى


لامسني منذ فترة غير بعيدة اقتباس لمحمود درويش قرأته على صفحة إحدى صديقاتي يقول فيه " السَلامُ على أُمي.. أولُ الأوطانِ و آخرُ المَنافي" و شعرت به بشدّة جعلتني افكر فيه لأيامٍ عديدة حتى قررت أخيراً أن أسجله في مذكرتي كعبارة تلخص مرحلة حياتية حساسة بالنسبة لي بمضمونها و تكوينها.
فتحت الدفتر علّي أنقل الفكرة من رأسي الى أوراقي فأرتاح، فطالعتني عبارة أخرى كتبتها قبل زواجي بأيام قليلة رمتني في دوامة شعور و تفكير أوسع و أشد " حسبيَ أنني أتجهُ نحوَ رجلٍ يحملُ لي من التحنانِ عظيمهُ"
كان غريباً بالنسبة لي أن تحمل لي الورقة نفسها تناقض الأوطان المؤرق، و كأنّها تضرب في وجهي التيه الأكبر الذي أعيشه الآن و تخبرني بأنّه لا مفر... عليك المواجهة.
احتل مفهوم الوطن الزاوية الأوسع من كياني منذ بدأت أشعر بكينونتي.
كان اولاً الدين الذي سَخّرتُ حياتي له و بوفقه، ثمّ ضاق ليمثل حدود القرية التي ربتني، الفكر الذي أنتمي إليه، و والداي الذين كانا سبباً في وجودي و تحولي الى ما انا عليه.
و حتى ذلك الحين كان الوطن شيئاً بسيطاً... دائرة أمان و إحتواء. ثمّ توسع على حين غرة ليشكل الأنا في روحٍ أخرى أكثر قوّة و نضجاً، وجدت فيها سكني و سكينتي و توّج العثور عليها ميثاق غليظ جعلها تنضم إلى دائرة الأوطان الحميمة و تتربع على رأسها.
و لكنني داخل حلقة الأوطان الضيقة العميقة، أصابني التيه، و كتبت عليّ المنافي دون أن أصطنعها.
فوجدت نفسي دائماً في و طنٍ و منفىً، تترجمها قبضة يد أبي ساعةً حين الفراق، او إشتياق لاهب لمنزلي و ساكنه بعد قِصرِ غياب.
لعلّها أعظم نعم الله و أصعبها... أن تنعم بكثرة الأوطان و تبتلى بحجم المنافي.
و لكنني أقول لنفسي دائما... ليست الدنيا سوى منفىً كبير و لأن تبتلى بالنفي من وطنٍ لآخر لخير من أن تعجز الأوطان جميعها عن ضمك.
على الأقل أنا دائماً في دائرة إحتواء...انا دائماً في وطن!
و الحمدلله.
-نور الهدى
١٩-٦-٢٠٢٠

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها