عُثُور

عزيزتي عدن...
لم نكتب!
ولم أنسى أنه يجب علينا أن نفعل، و لكنّها خصلة بي تملكين مثلها و هي العجز عن البوح لحظة السقم.
و قد كنت في الأيام العابرة في سقمٍ أصاب نفسي ، تمثل بقلقٍ يأكل رأسي و هم يرهق قلبي.
إنّها والله لأيامٌ ثقال و قد كنت أحسبني في ثبات حتى وصلت إلى حافة الإنهيار.
و لكنني و بحمد الله لم أنزلق و بلطفه و معيته تماسكت و عصى على الأحداث أن تزلني.
لا أدري حقيقة كيف يستطيع المرء أن يناقض مبادئه و فلسفته في كثير من الأحيان.
كأن أقلق و تعشعش في رأسي الهواجس من امور كنت أحسبني لوقتٍ طويل مبرأةً منها.
و لكن الأمر اننا لسنا مبرأين من شيءٍ كبشر، و أننا أكثر هشاشة من بيت عنكبوت.
نعيب الآخرين على ما بنا، و نحسب أننا نستطيع النجاة أبداً، و أننا نعيش بشكل أفضل... و نغفل أنه من عاب ابتلى و أننا و إن حفظنا شيئاً فقد غابت عنّا أشياء، و أنه "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه"
من الله وحده لا بما كسبت أيدينا و دوام هذه النعمة بفضل الله و رحمته لا بفضل منّا او من أيّ مخلوق.
نلقي بأيدينا إلى التهلكة ثم ينتشلنا الله بلطفه.
فيلهمنا الدعاء و يهيئ الأسباب و يبث لنا برحمته من كلّ باب، حتى اذا ما خوت الروح على عروشها بثّ فيها الحياة من جديد فأخضرت و أينعت.
و سكنتها الطمأنينة و كأنه ما أصابها يوماً بأسٌ و لا ضر.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}
هذه طبيعة الإنسان الضعيفة، يهلع و يجزع إذا ما ألمّ به بلاءٌ او مصيبة و يجحد و يبخل إذا ما مسه الخير.
و جميعنا معرضون للوقوع و جميعنا فينا من صفات الجزع و المنع و إن تفاوتنا بالقدر.
{إِلَّا الْمُصَلِّينَ}
إلّا اولئك الذين يحيون باليقين و الإيمان و معيّة الرحمن.
إلّا الذين إذا أصابتهم بأساء صبروا فكان خيراً لهم و إذا اصابتهم سراء شكروا فكان خيراً لهم.
الذين يعون أنّ هذه الدنيا ليست إلى رحلة عثور... رحلة العثور على الذات و استنباط النفس و فهمها و رحلة العثور على مقربة الله و محبته.
ما الذي قد يشغلنا و يقلقنا كبشرٍ في هذه الدنيا!
و لأبدأ من نفسي كمثل.. أنا التي شغلت لأسبوع بأشياء لا يد لي فيها و لا تقدير كأن يتوافق موعد زواجي و تخرجي مع أزمة عالمية تختبر إنسانيتنا جميعاً.
ولن أجلد نفسي و أقول أنّ الأمر سهل!
ليس بالسهل طبعاً ان تتعارض مختطات رسمتها طويلاً مع ظروف ليس لك يدٌ فيها و لست بقادرٍ على تغيرها.
و لكنها ليست نهاية العالم!!
ولا بنهاية الفرح...
الفرح في الأصل يبدأ و ينتهي في القلب، الفرح يكمن في نظرتنا للأشياء لا بالأشياء نفسها... و الفرح هو غرسٌ من الله يتكفل سبحانه بسقياه.
و هو منبعه و رازقه و ميسره.
دعوت هذا الأسبوع طويلاً "اللهم الرضى، و السلام، و سعادة الأيام"
دعوت حتى اوتيت سؤلي فأزهرت الروح و أشرقت الأيام..
الله نور السموات و الأرض و نور قلوبنا يا عدن... لا ادري كم مرة كتبت هذا و كم رددته، و لكنه يكبر بي كل يوم و يتعاظم أثره.
نحن بقع من العتم لولا نور الله فينا... مجرد هباءة و كائن تافه ضعيف.
و لكننا نستمد عظمتنا من العظيم فنشعر بكينونتنا و نحيل ضعفنا قوّة.
هذه الحياة رحلة عبور... رحلة عثور.
و كلّ بلاء و نعمة و حدث و اختبار، كل حزن و كل فرح ليسوا إلا صفحات من الدروس نضيفها إلى كتاب نلقاه يوم القيامة منشوراً.
مرّت العاصفة بمثل هذه الخاطرة...
و أشعر الآن أنني أستقبل الأيام بطمأنينة عجيبة و سعادة من نوع غريب... كن بجوار الرامي تنجو.
فكيف إن كانت سهام الرامي تصيب و لا تخيب، كيف إن كنت بجانب الأخبر و الأعلم و الأعظم و الأرحم.
الحمدلله حتى يبلغ الحمد منتهاه...♡
{رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}.
-نور الهدى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها