سِكّةٌ و مَحَطَة

أيّ غرابة في زمننا هذا،  يكاد المرء يأكل نفسه من كثرة ما يفكر و كثرة ما يشعر.
كل يوم تقف مع أقوامٍ كثر على سكة طويلة لتبدأ المسير.
تمر بعدّة محطات مختلفة لا تشبه إحداها الأخرى في يومٍ واحد فقط.
إحداها مهشمة فيها الكثير من الجثث... جميعهم شهداء كلّ بحسب تسمية طرفه.
البعض قتله الوهم و البعض قتله الحلم و شتان ما بين الإثنين، فالبعض أبطالٌ و الآخرون ضحايا.
او الأصحّ أن كليهما ضحايا و لكن للموت كذلك مزاج و مزايا.
على مقربة منها محطة أخرى اقل خراباً بحجم ضئيل.
يجلس فيها مطبلون و مصفقون و لاطمون. و ترتفع اصوات شعارات و هتافات كثيرة.
يرقص قلبي طرباً لبعضها و أصاب بالغثيان من أخرى. و مثلي يفعل الجميع و لكن كلّ بحسب توجهه.
تتعبني كثرة الهتاف، يتعبني الحماس و يتعبني الحزن لذا اتابع سيري على السكة.
أسير نعم فالقطارات قد فاتتني، و حقيقة انني تعمدت أن تفوتني. فراكبوها مجرد متسابقين، عابثين يمرون على السكة دون ان ينتبهو حقاً للتفاصيل حولهم.
همهم الوحيد أن يصلو للمحطة الأخيرة... محطة مزهرة كما يقولون.
جميعنا نريد الوصول إليها و لكنني أظن أن السير أحكم، فقد تحطمت قطارات كثيرة نهاية الطريق و فاتتها المحطة!
في مسيري أمر بجانب محطة معزولة... او لأقل هكذا يقولون و لكن يبدو أنّ جراثيمها لا تقتن داخلها. أحاول أن أسرع الخطى ثم أركض سريعاً دون أن أدري ألتصقت بي إحدى جراثيمها أم لا.
أذهل من منظر عابرين مثلي مهمشين على جانب السكة يسعلون و يحتضرون، أبتعد بأسف و قلة حيلة كي لا يصيبني وبائهم فأنا في النهاية و كما الجميع أطمح للوصول إلى وجهة.
تغيب الشمس و يصبح الطريق مظلما.
اتلمس بعض النور فأجده في قلبي. و أحمد الله أنني أعرف أنه مصدره.
أكثف الدعاء و يزداد النور، فأبصر الدرب أمامي واضحاً كقرص شمس.
ها هي المحطة الأخيرة تتجلى أمامي بزهوٍ و جمالٍ بديع أسارع الخطى نحوها فيخفت نوري تارةً و يقوى تارةً أخرى.
أتعثر في طريقي قليلاً، تارةً بالشوك و تارةً بالورد، و تارةً بمفاتيح أجهل مهمتها.
تبدو المحطة أبعد كل ما اقتربت.
أسمع صوت قطارٍ فأتنحى قليلاً كي لا يجرفني معه فيفقدني ذلك بعضاً من الوقت.
ثم أتابع بتعبٍ طوراً و بهمةٍ طوراً آخر.
أصل أخيراً...
أحاول فتح الباب، فتخونني ذراعي و يخونني ضيائي.
أجدد عهودي فيشتد الضياء و أحاول من جديد.
أجرب مفتاحاً أو اثنين... يفتح أخيراً.
في الداخل أشياء تشبهني، جميعها كما أحب و أهوى.
بعضها يسبح نحوي من تلقائه، و بعضها يهرب مبتعداً نحو أبوابٍ أخرى.
أنسى ما نلته و أتبع ما فاتني!
ثم أصطدم بباب آخر.
التفت مجدداً للجمال من حولي، ثمّ أمل، ثم أحاول أن أفتح من جديد.
و بين مدّ و جزر تزرق الدنيا من حولي تستقبل صفرة الفجر.
أغمض عيني من شدة  الضوء المباغت.  لأفتحهما مجدداً و أجدني أقف أول السكة من جديد.
أعقد العزم و أجدد السير.
أذهل من قدرتي... القدرة على الثبات على سكة يتبدل طريقها كل يوم.
القدرة على خوضها كل يوم بنفس القوة و نفس الإيمان، و نفس الأمل.
لسنا إلّا عابري سبيل أقول لنفسي.
لا بأس ان ارتحت يوماً على قارعة الطريق، او نثرت في يومٍ آخر الورد الذي أجده.
المهم أنني أترك الشوك مكانه، المهم أنني لا أعلق في الظلمة... و المهم أنني أستمر!
أنني في كل يوم و رغم أن الظلام يبطئني أصل إلى المحطة الأخيرة،
أحفظ المشكاة و أعلم من أين آتي بنور المصباح.
و الأهم أنني أعلم أنه خلف هذه السكة عالم أجمل من المحطة ، و أوسع من الطريق.
أن المحطة ليست سوى بوابة عبور.. و أنني يوماً ما بعيداً كان أم قريب... سأنجو من السكة!
-نور الهدى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها