في وجه السيل


أحب مهند ان يمثل نفسه دائما بعبارة "الصامد المغامر في وجه السيل" المقتبسة من اغنية المسلسل الكرتوني الذي نميزه جميعاً "القناص" بصوت رشا رزق الذي كبرنا عليه.
ولا اعتقد ان ايّاً من الذين كتبوا عن مهند لاحقاً او وصفوه استطاعوا ان يجدوا توصيفاً ملائماً له كالذي وجده هو لنفسه.
المسار الذي اتخذته حياته كان فعلاً كالسيل والطريقة التي تلقاها هو بها اثبتت انه قد كان "جون" الواقع.
مهند الثائر المصري الذي تعرض للاعتقال والتعذيب، لم تستطع الزنازين ولا الانتهاكات الجسدية ان تشوّه الروح البسيطة والإيجابية التي يحتويها، ولم يستطع السرطان او الموت المرتقب ان يثنيه عن الحياة.
بل ضل صامداً في وجه كل الضغوطات ليثبت انه محارب بحق وان حياته ستظل موجودة ملهمة حتى بعد وفاته.
وها انا اليوم اكتب عن مهند بعد عامين من وفاته واستلهم من ما قدمه من جديد.
ما من شيءٍ في العالم يستحق من الانسان ان يفقد الأمل، ان يضعف او ان يضع نفسه بالظلمة، لا الظلم ولا حتى الموت.
نحن فقط من نحدد ان كنا سنرمي انفسنا في النور والاستمرار بالحياة او ان نضع انفسنا في الظلمة ونقتل فينا الحياة ونحن على قيدها.
مهند استمر بتقدير الاشياء التي يحب والعيش فيها حتى رمقه الأخير. قرر انه سيلتقط كل يومٍ صورة ل١٠٠ يوم مع توثيق يرافقها لحالته النفسية، ولكن شاء الله ان لا يكملها وان تنتهي القصة في اليوم ٥٤.
لم يتوقف عن مشاركة شغفه مع العالم، لم يتوقف عن كونه ايجابيّاً ذو غاية ولم يخسر روحه المرحة رغم كل شيء.
في حين ان اكثرنا قد يصبح كئيبا مشوشاً لا يطاق بسبب عارضٍ حزين بسيط!!
رحل مهند، ولكن بعد رحيله سمعنا اغنية القناص ولأول مرة بصوت رشا تغصه الدموع، ولا ادري كم عدد الذين بكوا والذين تغيرت مشاعرهم تجاه الاغنية ولكن ما اعرفه ان الرحيل قد ابقى الأثر... ليس على محيطه فحسب بل على الكثيرين من الذين لم يلتقوا مهند حتى حول العالم.
ولا اعتقد ان طريقة وفاته هي السبب، بل في كونه رفض ان يكون مجرد عابر كئيب سلبي، رفض ان يسلبه الحزن الحياة او ان يمنعه المرض من اكمال الحلم.
نحن لسنا بحاجة الى مئة عام كي نعيش، قد يعيش الانسان عاماً واحداً يغير تاريخه الى الابد اذا ما ارفقه بالشغف والاصرار والاستمرار وقد يعيش المئة دون ان يترك اسماً او اثراً يذكر.
الحياة ليست بالمدة صدقوني، بل بفهمنا وعطائنا... بعبورنا نحن فيها لا عبورها فينا.!!
-نورالهدى
لروح مهند السلام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ال "أنا" الجديدة

ما تعلمته هذا الاسبوع

إبنة أبيها